هشام جعيط
241
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
أيضا التراجع واستقدام النجدات وحتى الفرار خارج ساحة الوغى : « فلما بلغ ذلك المختار من مشورة شبث بن ربعي على ابن مطيع خرج المختار في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة » « 1 » . وقد تمكن رجاله من سماع ضجيج خصومهم القادمين إليهم من هناك ، « بين بني سليم وسكة البريد » « 2 » . وقد استفدنا من سيف أن بني سليم أقاموا منذ البداية في الشمال الشرقي من المساحة المركزية ، إما بمفردهم إلى الحد الشرقي الأقصى لخطط الشمال الخمسة وإما في خطة كبرى مع بني ثقيف حيث تمركزوا بالأماكن الأكثر بعدا عن المسجد ، وهنا لا محالة علامة ذات أهمية . والأمر الأكثر صعوبة هو التعرف على الطريق الكبرى الرابطة بين مركّب المسجد والقصر وبين عاصمة الإمبراطورية ، أي طريق البريد والرحلات الرسمية . كانت الطريق تمر عادة من النخيلة « 3 » في اتجاه دمشق ، ولذلك فهي تنطلق من الكوفة من جهة شمال - شمال غربي ، دون عبور الفرات . لكن هناك طريقا أخرى تؤدي إلى دمشق ، وهي تعبر الجسر إلى الشمال الشرقي من الكوفة ، محاذية الفرات على ضفته اليسرى ثم تعبره من جديد في مكان آخر . وهذه كانت طريق السواد ولا نعلم هل قلّ استخدامها بالنسبة للطريق الأخرى « 4 » ، على أن اسم « سكة البريد » ، الذي ذكره البلاذري « 5 » قد يوحي بالغلط فضلا عن ذلك لشكنا في إمكانية نسبتها إلى بغداد أيضا . وفي هذه الحال ينزلق نصّ أبي مخنف في الخطأ الزمني ويكون نصّا ألّف أو حوّر في العصر العباسي . ويبقى إذن موقعها غامضا بالنسبة لذلك العصر ، لكن الثابت أن السبخة كانت قريبة من الشمال الشرقي . ولعلها وقعت في الشمال بعيدا عن سليم وانتشرت بذلك في مكان أوسع من المكان الذي حدده لها ماسينيون ؛ كما يجب الانتباه إلى عدم إبعادها عن الجسر ولا عن دار الرزق ، كما أكدت ذلك المصادر كافة ، ولا سيما عند رواية ثورة زيد « 6 » . والمؤكد أنه يمكن الوصول إلى مركز الكوفة مباشرة من السبخة ، عبر عدة طرقات أو سكك يبدو أن أهمها كانت سكة لحام جرير ، فوجب التحكم في « أفواهها » أي مداخلها . الواقع أنه بعد أن انهزم شبث بن ربعي في أثناء اصطدامه بالمختار في السبخة ، منعت جيوش الأمير المتحكمة في السكك ، جنود المختار من دخول الكوفة « 7 » . فلزم عليهم أن
--> ( 1 ) المرجع نفسه ، ص 22 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 24 . ( 3 ) الطبري ، ج 4 ، ص 562 ، وج 5 ص 73 و 78 و 79 . لا يتوفر أي خبر دقيق عن بداية طريق دمشق . وستمر هذه الطريق على القطقطانة ، بداية من القرن الثالث : ابن خرداذبه ، ص 99 . ( 4 ) أخذها علي للذهاب إلى صفين : الطبري ، ج 4 ، ص 565 . ( 5 ) فتوح البلدان ، ص 284 . ( 6 ) الطبري ، ج 7 ، ص 185 . ( 7 ) المرجع نفسه ، ج 6 ، ص 28 .